منصور بن أحمد الهروي

16

منية الراضي في رسائل القاضي

وكان الختام دعاء أن يديم اللّه للقاضي فضائله ، وأن يبقيه للمكارم والمعالي « 1 » . وما سبق ذكره هو أهم المعاني التي اشتملت عليها رسائل التهنئة ، والرسالة الأولى أطولها وأقربها إلى الكتابات الديوانية ، لأنها تتحدث عن فتح كبير وأمير جليل يقتحم الممالك ويدوّخها ، ولذلك خلت من الاستشهادات الشعرية ، فهي في مثل هذه الرسائل عيب واستهجان ، إلا أن يكون الكاتب نفسه هو الصانع للشعر ، والرسالة الثانية طويلة أيضا وهي في تهنئة وزير تولى مقاليد الحكم ، أما الرسائل الأربع الأخرى فقصيرة موجزة ، فيها تهنئات بحكم ولاية ، وبقضاء مناسك الحج ، وبإنجاب ولد ، وبتولى مقاليد القضاء . ولا تقف أغراض التهاني ومعانيها عند حد ، بل تتشعب وتتفرع ، ومع ذلك لكل غرض معانيه العامة المتداولة التي ينبغي أن يراعيها الكاتب . 2 - وفي باب الشكر « 2 » تحدث الهروي عن إنعام الشيخ الذي عمّ البعيد والقريب والمجدب والمخصب ، والبادى والحاضر ، وقد جرى في ذلك على خلق كريم وسجية ملازمة ، فاستحق حمدا وشكرا لا نهاية لهما ، وظلّ يردّد مثل هذه المعاني ، ويبدئ ويعيد في ذكر ما يستحقه من إطراء ودعاء ، وما أتاح للشاكر من فواضل وفضائل ، رغّبته في مراسلته ومواصلته ، ثم كشف في الثلث الأخير من هذه الرسالة عن رغبته في كرم المشكور ، ، وعاد بعد ذلك إلى تعديد فضائل الشيخ وأياديه طمعا في نواله وخلعه ، والشاكر عاجز عن الوفاء بحق الشكر ، حتى أنه لو أراد الإفاضة لما رضى الأرض طرسا ، ولا البحر مدادا ، ولا الشجر أقلاما ، ولا أنفاس الرياح كلاما ، واللافت أنه برر ذلك والتمس أسبابه ، فقال : « ولم لا ؟ وأنا غذي نعمته ، وربيب منّته ، والناشئ في حجر أياديه البيض ، والآوى إلى ركن إفضاله الشائع المستفيض » ، ثمّ أنهى شكره بأربعة أبيات من مأثورات البحتري في الاستعطاف والاستمناح « 3 » . وقد أتبعت هذه الرسالة بأخرى قصيرة ، انتهى بها الباب ، عنوانها : « كتاب له مفرد في الشكر » ، تحدث فيها الهروي بعد الابتداءات المعهودة عن النعم وتفاوت مراتبها ، وأن منها ما يحتشد له الشاكر فيكلّ ويعجز ، وهذا هو حاله مع ذلك المنعم ذي الأيادى الكثيرة ، وهو في هذه الرسالة أيضا يطمع في الإنعام والإحسان ، ولكنه هنا يشكو الزمان وعثراته ، والحوادث

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 61 - 62 . ( 2 ) انظر : النوع الثاني عشر من المكاتبات الإخوانية ، في : صبح الأعشى 9 / 183 - 189 . ( 3 ) انظر : ما يلي : ص 65 - 69 .